أثارت حادثة انتحار تلميذة داخل مؤسسة تعليمية خصوصية بمدينة تمارة صدمة كبيرة داخل الأوساط التربوية والأسرية، كما أعادت إلى الواجهة النقاش حول واقع الصحة النفسية لدى التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية، والحاجة إلى تعزيز آليات الدعم والمواكبة النفسية داخل الفضاء المدرسي.
وقد خلّف الحادث حالة من الحزن والقلق بين الأسر والفاعلين في المجال التربوي، خاصة مع تزايد الدعوات إلى إيلاء اهتمام أكبر للصحة النفسية للتلاميذ، في ظل الضغوط الدراسية والاجتماعية التي قد يواجهها عدد منهم خلال مسارهم التعليمي.
- دعوات لتفعيل مراكز الإنصات داخل المدارس
في هذا السياق، دعا عدد من الفاعلين التربويين إلى تعزيز فضاءات الاستماع والمواكبة النفسية داخل المؤسسات التعليمية، معتبرين أن غياب هذه الآليات قد يساهم في تفاقم الأزمات النفسية لدى بعض التلاميذ.
وفي هذا الإطار، أكد نور الدين عكوري، رئيس الفيدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلامذة بالمغرب، أن المؤسسات التعليمية أصبحت في حاجة ملحة إلى تفعيل مراكز الإنصات والاستماع داخل المدارس، بهدف توفير فضاء آمن للتلاميذ يمكنهم من التعبير عن مشاكلهم النفسية والاجتماعية.
وأوضح عكوري أن هذه المراكز ينبغي أن تكون مؤطرة من طرف مختصين في علم النفس والدعم الاجتماعي، حتى تتمكن من تقديم مواكبة حقيقية للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات نفسية أو اجتماعية. وأضاف أن دور هذه الفضاءات لا يقتصر على التدخل بعد وقوع الأزمات، بل يشمل أيضاً العمل الوقائي من خلال اكتشاف المشاكل في مراحل مبكرة قبل تفاقمها.
وأشار إلى أن عدداً من التلاميذ يعيشون ضغوطاً نفسية مرتبطة بالدراسة أو بالوضع الأسري والاجتماعي، غير أن بعضهم لا يجد من يستمع إليه داخل المدرسة، ما يجعل فضاءات الإنصات ضرورة تربوية أساسية وليست مجرد خيار إضافي.
- الصحة النفسية وعلاقتها بالنجاح الدراسي
ويرى متابعون للشأن التربوي أن تعزيز الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية يمكن أن يساهم أيضاً في معالجة عدد من الظواهر السلبية داخل الوسط المدرسي، مثل العنف المدرسي والهدر المدرسي وضعف التحصيل الدراسي.
كما أن توفير المواكبة النفسية قد يساعد التلاميذ على التعامل مع الضغوط اليومية التي يواجهونها، سواء كانت مرتبطة بالاختبارات الدراسية أو بالعلاقات الاجتماعية داخل المدرسة.
ويؤكد الفاعلون التربويون أن المدرسة لم تعد فضاءً للتعليم الأكاديمي فقط، بل أصبحت أيضاً فضاءً للتربية والتوجيه النفسي والاجتماعي، وهو ما يفرض تطوير آليات الدعم داخل المؤسسات التعليمية.
- إطار تنظيمي موجود وتحديات في التطبيق
ويستند هذا التوجه إلى عدد من المذكرات التنظيمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، من بينها المذكرة الوزارية رقم 155 الصادرة سنة 2008 والمتعلقة بتفعيل الحياة المدرسية، والتي دعت إلى إرساء آليات لليقظة والتتبع داخل المؤسسات التعليمية.
وقد عرف المغرب في مراحل سابقة تجربة إحداث مراكز للاستماع والوساطة التربوية في عدد من الجهات، حيث تم اعتمادها كآلية لمواكبة التلاميذ ومساعدتهم على مواجهة الصعوبات النفسية والاجتماعية أو حل النزاعات داخل المؤسسات التعليمية.
كما تم لاحقاً إحداث خلايا لليقظة والإنصات والوساطة التربوية داخل بعض المدارس، بهدف تعزيز دور المؤسسة التعليمية كفضاء آمن للتعلم والتنشئة.
غير أن عدداً من الفاعلين في المجال التربوي يرون أن هذه المبادرات ما تزال تواجه مجموعة من الإكراهات، أبرزها نقص الأطر المتخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى محدودية الموارد البشرية واللوجستية داخل عدد من المؤسسات التعليمية.
- العوامل النفسية والاجتماعية وراء السلوك الانتحاري
من جانبه، أوضح عادل الحساني، المختص في علم النفس الاجتماعي، أن قرار الانتحار في أغلب الحالات لا يكون نتيجة لحظة يأس عابرة فقط، بل غالباً ما يكون نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية.
وأشار الحساني إلى أن بعض الحالات قد ترتبط بتراكم ضغوط متعددة، مثل التنمر داخل المدرسة، أو المشاكل الأسرية، أو الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالدراسة، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب أو اضطرابات المزاج.
وأضاف أن لحظة اتخاذ القرار قد تكون مرتبطة أيضاً بتغيرات فيزيولوجية في الدماغ تجعل الشخص في حالة اندفاع نحو الفعل دون إدراك كامل للعواقب.
- إشارات تحذيرية يمكن رصدها
وأكد المختص أن مثل هذه الحالات غالباً ما تسبقها إشارات تحذيرية يمكن للأسرة أو للمحيط المدرسي ملاحظتها، مثل الانعزال المفاجئ، أو تغير السلوك بشكل ملحوظ، أو التعبير عن مشاعر اليأس وفقدان الأمل.
وشدد على أن التعامل مع هذه المؤشرات ينبغي أن يتم بسرعة وبحساسية كبيرة، عبر اللجوء إلى الدعم النفسي أو الطبي المختص عند الضرورة.
كما دعا الحساني إلى تعزيز يقظة الأطر التربوية داخل المؤسسات التعليمية، مع تشجيع التواصل المستمر بين المدرسة والأسر عند ملاحظة أي تغيرات سلوكية لدى التلاميذ.
- المدرسة كفضاء للحماية والدعم
ويرى مختصون أن دور المؤسسة التعليمية يتجاوز نقل المعرفة إلى توفير بيئة آمنة تساعد التلاميذ على النمو النفسي والاجتماعي بشكل سليم. ولهذا يشدد الخبراء على أهمية مراقبة الفضاءات داخل المدارس التي قد تكون بعيدة عن الأنظار، مثل بعض المرافق أو الفضاءات الرياضية، إلى جانب تعزيز حضور الأطر التربوية داخل مختلف مرافق المؤسسة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز النقاش مجدداً حول ضرورة إدماج الصحة النفسية ضمن السياسات التربوية بشكل أكثر وضوحاً، بما يضمن توفير الدعم اللازم للتلاميذ ومساعدتهم على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية التي قد تعترض مسارهم الدراسي.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق