مع اقتراب عيد الأضحى، عاد النقاش في المغرب حول ارتفاع أسعار الأضاحي، في ظل تحذيرات من جمعيات حماية المستهلك من محاولات ربط موجة الغلاء بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط أو بتقلبات أسعار الأعلاف في الأسواق الدولية. واعتبرت هذه الجمعيات أن مثل هذه التفسيرات لا تستند إلى معطيات اقتصادية دقيقة، بل تُستعمل في أحيان كثيرة لتبرير زيادات غير مبررة في الأسعار خلال موسم يعرف طلباً مرتفعاً من الأسر المغربية.
وترى فعاليات مدنية أن تكرار هذه المبررات في كل موسم للأضاحي يثير مخاوف حقيقية من استغلال بعض الوسطاء والمضاربين للظروف الدولية لتبرير ارتفاع الأسعار، دون تقديم دلائل واضحة على تأثير مباشر لهذه الأحداث على كلفة الإنتاج أو العرض داخل السوق الوطنية.
- تشكيك في علاقة الحروب بغلاء الأضاحي
وفي هذا السياق، أكد بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن الحديث عن تأثير الحروب أو التوترات الدولية على أسعار الأضاحي في المغرب يفتقر إلى الدقة الاقتصادية، معتبراً أن هذه التبريرات يتم الترويج لها لتهيئة الرأي العام نفسياً لتقبل ارتفاع الأسعار.
وأوضح الخراطي أن الموسم الفلاحي الحالي يبقى مقبولاً نسبياً مقارنة بسنوات سابقة، ما يجعل من الصعب تفسير الزيادات الكبيرة في الأسعار بعوامل خارجية فقط. وأضاف أن الأسواق تشهد أحياناً ما وصفه بـ“مافيا المواشي”، في إشارة إلى بعض المضاربين الذين يسعون إلى التحكم في العرض ورفع الأسعار بهدف تحقيق أرباح أكبر خلال فترة الطلب المرتفع.
- تحولات في بنية سوق الماشية
وأشار المتحدث ذاته إلى أن سوق المواشي في المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات مهمة، خاصة بعد توالي سنوات الجفاف التي أثرت على المربين الصغار والمتوسطين. فقد اضطر العديد منهم إلى بيع قطعانهم أو تقليص نشاطهم، ما أدى إلى تراجع عدد الفاعلين التقليديين في السوق.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع ساهم في صعود فاعلين كبار يمتلكون إمكانات مالية وإنتاجية أكبر، وهو ما أدى إلى تركيز العرض في يد عدد محدود من المنتجين والوسطاء. ويعتبر بعض الخبراء أن هذا التحول في بنية السوق قد يضعف المنافسة الطبيعية، ويخلق ظروفاً قد تسهل ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ خلال موسم الأضاحي.
- الأعلاف بين الواقع والتبرير
وبخصوص الأعلاف، أوضح الخراطي أن المغرب يعتمد في جزء من حاجياته على الاستيراد من دول في أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل، وهي مناطق بعيدة نسبياً عن بؤر التوترات الجيوسياسية التي يتم الحديث عنها في الإعلام.
وأشار إلى أن أسعار الأعلاف على المستوى العالمي لم تسجل ارتفاعات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، ما يجعل من الصعب اعتبارها العامل الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الأضاحي. غير أن بعض التكاليف المرتبطة بالتسمين والنقل قد تشهد أحياناً تقلبات محدودة، لكنها لا تبرر القفزات الكبيرة التي يعرفها السوق في بعض المواسم.
- تحذير من التضليل والمضاربة
من جهته، أكد المدني دروز، رئيس جمعية جمعية مع المستهلكين، أن الربط بين الحروب أو الأزمات الدولية وارتفاع أسعار الأضاحي أصبح يتكرر كل سنة تقريباً، معتبراً أن هذه الروايات تُستعمل أحياناً كوسيلة للتأثير على الرأي العام ودفع المستهلكين إلى تقبل أسعار مرتفعة.
وأضاف أن هذه الممارسات تشكل نوعاً من التضليل الذي يخدم مصالح بعض الوسطاء والمضاربين المعروفين محلياً بـ“الشناقة”، الذين يستغلون ارتفاع الطلب في فترة عيد الأضحى لرفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ويرى الفاعل الجمعوي أن ترك السوق دون رقابة فعالة قد يفتح الباب أمام ممارسات غير أخلاقية، لا تضر بالمستهلكين فقط، بل قد تؤثر أيضاً على المربين الحقيقيين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة منافسة غير متكافئة مع شبكات الوساطة والمضاربة.
- دعوات إلى تدخل مبكر لضبط السوق
في ظل هذه المعطيات، دعت جمعيات حماية المستهلك السلطات العمومية إلى اتخاذ إجراءات استباقية لضبط السوق قبل حلول موسم الأضاحي، من خلال مراقبة سلاسل التوزيع ومحاربة الاحتكار والمضاربة.
ويرى متابعون أن تحقيق توازن في سوق الأضاحي يتطلب تعزيز آليات الشفافية في تحديد الأسعار، إضافة إلى توفير معطيات دقيقة حول كلفة الإنتاج والعرض الوطني من الماشية. كما يؤكدون أن الهدف ليس المساس بحرية السوق، بل ضمان حد أدنى من التوازن يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويضمن في الوقت نفسه استمرارية نشاط المربين.
ومع اقتراب موسم عيد الأضحى، يبقى التحدي المطروح أمام مختلف الفاعلين هو كيفية تحقيق هذا التوازن بين العرض والطلب، وتفادي تكرار سيناريوهات الغلاء التي تثير كل سنة جدلاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق