تصعيد غير مسبوق في قطاع الصيدلة.. صيادلة المغرب يعلنون إضرابا وطني

0

يدخل قطاع الصيدلة بالمغرب مرحلة توتر حاد بعد إعلان النقابات الثلاث الأكثر تمثيلية عن برنامج إضرابات وطنية متتالية وتصاعدية، في خطوة تعكس عمق الخلاف القائم حول مستقبل المهنة وحدود انفتاحها على منطق الاستثمار والرأسمال الخاص. فالمهنيون يعتبرون أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط بإصلاح تنظيمي، بل يمس جوهر فلسفة الصيدلية باعتبارها مرفقاً صحياً قبل أن تكون نشاطاً تجارياً.

الهيئات المعنية، وهي الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب و الاتحاد الوطني لصيادلة المغرب  و النقابة الوطنية لصيادلة المغرب، راسلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مطالبة بلقاء عاجل لمناقشة ملفين تعتبرهما مصيريين: تحرير رأسمال الصيدليات، والملف المطلبي المهني المتراكم. وتؤكد هذه المركزيات أن القطاع يعيش حالة احتقان غير مسبوقة، في ظل ما تعتبره غياب إشراك فعلي للتمثيليات المهنية في صياغة التوصيات.

خلفية الخلاف.. تحرير الرأسمال بين الإصلاح والمخاوف

النقاش تفجّر عقب توصيات صادرة عن مجلس المنافسة، دعت إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لملكية الصيدليات، بما يتيح إمكانية فتح رأسمالها أمام مستثمرين وشركات. من منظور المجلس، يندرج هذا التوجه ضمن دينامية تعزيز التنافسية وتحسين العرض وتقليص كلفة بعض الخدمات.


غير أن الصيادلة يرون في الخطوة تحولاً جذرياً قد يغيّر طبيعة العلاقة بين الصيدلي والمريض، وينقل مركز القرار من المهني الصحي إلى المستثمر المالي. التخوف الأساسي يتمثل في احتمال تغليب منطق الربح على اعتبارات السلامة الدوائية والاستشارة المهنية المحايدة، خاصة في ظل هشاشة بعض المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف التغطية الصحية.

إضرابات تصاعدية وتوسيع دائرة التعبئة

برنامج التصعيد لا يقتصر على إضراب رمزي، بل يرتقب أن يمتد عبر محطات متدرجة في الزمن والمدة، مع تعبئة شاملة تشمل التنسيق مع طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان. هذه الخطوة تعكس رغبة في بناء جبهة مهنية موحدة، وإيصال رسالة مفادها أن الملف يتجاوز المطالب الفئوية ليطال تصوراً أوسع لمنظومة الدواء بالمغرب.


ويُنتظر أن يعقد مجلس فيدرالي للنقابات الجهوية للحسم في تاريخ أول إضراب وطني عام، وسط حديث عن استعداد لخوض أشكال احتجاجية غير مسبوقة إذا لم تُفتح قنوات حوار جدية.

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

تحرير رأسمال الصيدليات قد يفتح الباب أمام سلاسل صيدلية كبرى قادرة على الاستفادة من اقتصاد الحجم وتخفيض بعض التكاليف، لكنه في المقابل قد يهدد استمرارية الصيدليات الصغرى والمتوسطة، خصوصاً في الأحياء الشعبية والمناطق القروية. السيناريو المحتمل هو تركّز السوق في يد فاعلين كبار، ما قد يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية لتوزيع الصيدليات.


كما أن مسألة الأمن الدوائي تظل حاضرة بقوة في النقاش، إذ يخشى المهنيون من أن يؤدي تحكم رؤوس أموال كبيرة في قنوات التوزيع إلى التأثير على أولويات التزود أو توجيه السوق نحو منتجات بعينها، بما يمس مبدأ الحياد المهني.

بين منطق السوق وخصوصية المرفق الصحي

جوهر الخلاف يتمحور حول سؤال أساسي: هل الصيدلية نشاط تجاري يخضع لقواعد العرض والطلب، أم مرفق صحي ذي طابع خاص يستوجب ضوابط استثنائية؟


أنصار الانفتاح يرون أن تحديث الإطار القانوني ضرورة لمواكبة التحولات الاقتصادية وتعزيز تنافسية القطاع. أما المعارضون فيؤكدون أن خصوصية الدواء كمنتج حيوي يفرض حماية مضاعفة من المضاربات ومنطق الاحتكار.


في ظل هذا التباين، تبدو الحاجة ملحة لحوار مؤسساتي معمق يوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان استقلالية القرار المهني، بما يحافظ على حق المواطن في دواء آمن ومتاح، دون أن يتحول القطاع إلى ساحة صراع بين اعتبارات الصحة ومتطلبات السوق.


المعركة، في نهاية المطاف، ليست تقنية فقط، بل هي نقاش حول نموذج تدبير الصحة في المغرب: نموذج يقوم على مهنية مستقلة ذات طابع اجتماعي، أم نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً تحكمه قواعد السوق؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح مستقبل الصيدلة لسنوات قادمة.

0

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

About Us

recent
© all rights reserved
made with by lakomepress