من الحرب الأوكرانية إلى أزمات الخليج.. دروس قاسية للأمن الطاقي المغربي و 18 يوماً فقط من الاحتياطي

0

 تضع التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط المنظومة الطاقية المغربية أمام اختبار دقيق، ليس فقط من زاوية الأسعار، بل من زاوية “الأمن الطاقي” بمعناه الشامل: وفرة الإمدادات، استقرار الكلفة، والقدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. فالمملكة، التي تعتمد على الخارج لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاتها الطاقية، تجد نفسها بحكم هذا الارتباط البنيوي رهينة للتقلبات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج والعبور.

هشاشة المخزون أمام صدمات طويلة الأمد

المعطيات المتداولة حول تغطية المخزون الوطني لما بين 18 و22 يوماً فقط من الاستهلاك تطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا لو طال أمد الأزمة أكثر من شهر؟ في هذه الحالة، لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بإمكانية حدوث اختلالات في سلاسل التوريد نفسها، خاصة إذا تعطلت ممرات حيوية مثل مضيق هرمز أو باب المندب.

تحليل المعادلة يكشف أن المغرب يستهلك قرابة مليون طن شهرياً من المواد البترولية، ما يعني أن أي اضطراب مطول سيترجم سريعاً إلى ضغط مزدوج:

  • ضغط مالي عبر تضخم فاتورة الواردات وتآكل احتياطي العملة الصعبة.

  • ضغط اجتماعي نتيجة انعكاس ارتفاع الأسعار على النقل والمواد الأساسية والخدمات.

وإذا تجاوز سعر البرميل عتبة 100 دولار، كما يتوقع بعض الخبراء، فإن التأثير لن يكون ظرفياً، بل قد يمتد إلى توازنات قانون المالية نفسه، خصوصاً في ظل ارتباط قطاعات حيوية بالطاقة المستوردة.

معضلة الغاز.. حل مؤقت أم تبعية مقنّعة؟

على مستوى الغاز الطبيعي، يعتمد المغرب حالياً على إعادة تحويل الغاز المسال في إسبانيا ثم ضخه عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي في الاتجاه العكسي. هذا الخيار، وإن وفر حلاً عملياً بعد توقف الإمدادات التقليدية، يظل رهين اعتبارات لوجستية وسياسية خارجية، ويضيف كلفة تحويل ونقل تؤثر على تنافسية الصناعة الوطنية.

من هنا تبرز أهمية مشروع الناظور غرب المتوسط، الذي يُنتظر أن يحتضن محطة استراتيجية لتخزين وتحويل الغاز الطبيعي المسال. دخول هذا المشروع حيز الخدمة لن يكون مجرد توسعة بنيوية، بل تحوّلاً في فلسفة تدبير الطاقة، من منطق الاعتماد المرحلي على حلول خارجية إلى منطق التحكم الوطني في سلاسل الإمداد.

بين الطاقات المتجددة والواقع الأحفوري

رغم التقدم الذي أحرزه المغرب في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، تبقى نسبة الاستقلال الطاقي محدودة، في حدود 10 في المائة تقريباً. وهذا يعني أن الرهان الكلي على الانتقال الطاقي في المدى القصير لا يمكنه تعويض الحاجة الفورية للمحروقات، خاصة في النقل والصناعة.

بعبارة أخرى، الطاقات المتجددة تمثل رهان المستقبل، لكنها لا تلغي إكراهات الحاضر. لذلك فإن تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتطوير قدرات التخزين والتكرير، يظلان ركيزتين أساسيتين لضمان استقرار الاقتصاد خلال المرحلة الانتقالية.

الدرس الأوكراني وتحذير المرحلة

التجربة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022 كشفت أن الأسواق العالمية، رغم اتساعها، ليست محصنة ضد الارتباك. الأسعار قفزت بشكل غير مسبوق، وسلاسل التوريد عرفت اختناقات حادة. واليوم، مع عودة التوتر إلى منطقة تنتج ربع النفط العالمي تقريباً، تبدو المخاطر مضاعفة.

التحليل العام يقود إلى خلاصة أساسية:
الأمن الطاقي لم يعد مسألة تقنية أو قطاعية، بل قضية سيادة اقتصادية. فكل يوم إضافي من التوتر في مناطق الإنتاج أو العبور يرفع كلفة الانتظار، ويُضيّق هامش المناورة أمام الدول المستوردة.

أي خيارات أمام المغرب؟

أمام هذا الواقع، تتلخص السيناريوهات الممكنة في:

  1. توسيع القدرات التخزينية لرفع مدة التغطية إلى مستويات مريحة تتجاوز شهرين أو ثلاثة.

  2. تنويع الموردين لتقليص الاعتماد على منطقة جغرافية واحدة.

  3. تسريع الاستثمار في البنيات الغازية الوطنية لضمان استقلالية أكبر في التحويل والتخزين.

  4. مواصلة تطوير الطاقات المتجددة مع ربطها تدريجياً بالتصنيع المحلي لتقليص التبعية.

في المحصلة، يظل التحدي الأكبر هو الانتقال من تدبير ظرفي للأزمات إلى بناء منظومة استباقية قادرة على امتصاص الصدمات. فالعالم يدخل مرحلة تتسم بعدم اليقين، والموقع الجغرافي للمغرب يجعله متأثراً بما يجري في محيطه الموسع، سواء في البحر الأبيض المتوسط أو الخليج العربي.

الرهان إذن ليس فقط على تجاوز أزمة محتملة، بل على إعادة صياغة مفهوم “السيادة الطاقية” ليصبح جزءاً من استراتيجية وطنية بعيدة المدى، قوامها التخزين الكافي، والبنية التحتية المتطورة، والتوازن بين الطاقات التقليدية والمتجددة.

0

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

About Us

recent
© all rights reserved
made with by lakomepress