كشف المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، عن ملامح التحولات الديمغرافية الكبرى التي سيعرفها المغرب في أفق سنة 2040، وذلك خلال لقاء عقده مع فعاليات نادي روتاري، حيث قدّم رؤية شاملة حول مستقبل السكان وأنماط العيش، في ظل تغيرات اجتماعية واقتصادية متسارعة من المنتظر أن تعيد رسم الخريطة الديمغرافية للمملكة.
وأوضح المسؤول أن المغرب يتجه نحو تسارع وتيرة التمدن خلال السنوات المقبلة، إذ يُتوقع أن ترتفع نسبة سكان المدن من 62.8 في المائة سنة 2024 إلى حوالي 69.2 في المائة بحلول سنة 2040، ما يعكس استمرار الهجرة من الوسط القروي نحو المناطق الحضرية، بحثاً عن فرص العمل وتحسين ظروف العيش.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن عدد سكان المدن سيرتفع من نحو 23.1 مليون نسمة حالياً إلى حوالي 28 مليون نسمة في أفق 2040، في مقابل استقرار نسبي لسكان الوسط القروي الذين يُتوقع أن يظل عددهم في حدود 12.5 مليون نسمة، وهو ما يؤكد استمرار الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، ويطرح تحديات جديدة على مستوى التخطيط العمراني والبنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وفي ما يتعلق ببنية الأسرة المغربية، أكد بنموسى أن عدد الأسر سيشهد ارتفاعاً ملحوظاً، حيث يُتوقع أن يصل إلى 12.3 مليون أسرة بحلول سنة 2040، بزيادة تقدر بـ32.5 في المائة مقارنة بالوضع الحالي. غير أن هذه الزيادة ستترافق مع تقلص في حجم الأسرة، إذ سينخفض متوسط عدد أفراد الأسرة من 3.9 أفراد إلى 3.3 أفراد فقط، وهو ما يعكس تحولات اجتماعية عميقة، من بينها تراجع الأسر الممتدة وارتفاع عدد الأسر الصغيرة.
كما سلط التقرير الضوء على التفاوتات المجالية، حيث يُنتظر أن تستحوذ خمس جهات رئيسية على الحصة الأكبر من النمو السكاني، في مقدمتها جهة الدار البيضاء-سطات، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة، ما يعزز تمركز السكان والأنشطة الاقتصادية في مناطق محددة، مقابل تباطؤ النمو في جهات أخرى، الأمر الذي قد يفاقم الفوارق التنموية بين مناطق المملكة.
ومن أبرز التحولات المرتقبة أيضاً، تغير الهرم السكاني للمغرب، حيث يتجه المجتمع نحو الشيخوخة التدريجية، إذ يُتوقع أن ترتفع نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق إلى 19.5 في المائة بحلول سنة 2040، وهو ما يفرض تحديات جديدة على مستوى أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والخدمات الصحية.
وفي المقابل، أشار بنموسى إلى أن فئة الشباب، التي تمثل حالياً نحو 22.25 في المائة من السكان، ستظل ركيزة أساسية للتنمية، غير أنها تواجه تحديات متزايدة، من بينها البطالة والهدر المدرسي وصعوبة الاندماج في سوق الشغل، وهي معطيات تستدعي اعتماد سياسات عمومية أكثر فعالية لضمان الاستفادة من هذه الطاقة البشرية.
كما توقف المسؤول عند وضعية المسنين في المغرب، مشيراً إلى أن الغالبية منهم لا تزال تعيش داخل أسر ممتدة، غير أن المعطيات تكشف عن فوارق واضحة بين الجنسين، حيث تصل نسبة الأرامل من النساء المسنات إلى حوالي 38 في المائة، وهو ما يعكس هشاشة اجتماعية تستوجب تعزيز برامج الحماية الاجتماعية والرعاية الموجهة لهذه الفئة.
وتؤكد هذه التوقعات أن المغرب مقبل على تحولات ديمغرافية عميقة خلال العقدين المقبلين، من شأنها أن تؤثر بشكل مباشر على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في مجالات السكن، والصحة، والتعليم، والتشغيل، ما يفرض على صناع القرار الاستعداد مبكراً لمواجهة هذه التحديات وبناء نموذج تنموي متوازن يواكب التحولات المرتقبة.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق